المقريزي
361
إمتاع الأسماع
ابن عمران المخزومي ، قال : فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك في مجلسهم ذلك ، قال : فجئتهم ، فلم أجد فيه منهم أحدا ، فقلت : لو أني جئت فلانا الخمار ، وكان بمكة يبيع الخمر ، لعلي أجد عنده خمرا فأشرب منها ، قال : فخرجت ، فجئته فلم أجده . قال : فقلت : لو أني جئت الكعبة فطفت بها سبعا أو سبعين ، قال : فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي ، وكان إذا صلى استقبل الشام ، وجعل الكعبة بينه وبين الشام ، وكان مصلاه بين الركنين : الركن الأسود ، والركن اليماني . قال : فقلت حين أتيته : والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول ، فقلت : لئن دنوت منه أستمع منه لأروعنه ، فجئت من قبل الحجر ، فدخلت تحت ثيابها ، فجعلت أمشي رويدا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي يقرأ القرآن ، حتى قمت في قبلته مستقبله ، وما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة . قال : فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام ، فلم أزل قائما في مكاني ذلك ، حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ثم انصرف ، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبي حسين ، وكان طريقه حتى يجزع ( 1 ) المسعى ، ثم يسلك بين دار عباس بن عبد المطلب ، وبين دار ابن أزهر بن عبد عوف الزهري ، ثم على دار الأخنس بن شريق ، حتى يدخل بيته ، وكان مسكنه صلى الله عليه وسلم في الدار الرقطاء ( 2 ) التي كانت بيدي معاوية بن أبي سفيان . قال عمر رضي الله تعالى عنه : فتبعته حتى إذا دخل بين دار عباس ودار ابن أزهر أدركته ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حسي عرفني ، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أني إنما تبعته لأوذيه فنهمني ( 3 ) ثم قال : ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة ؟ قال : قلت : لأؤمن بالله وبرسوله ، وبما جاء به من عند الله . قال : فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : قد هداك الله يا عمر ، ثم مسح صدري ، ودعا لي بالثبات . ثم انصرفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته ( 4 ) .
--> ( 1 ) يجزع : يقطع . ( 2 ) الرقطاء : الملونة . ( 3 ) نهمني : زجرني . ( 4 ) ( سيرة ابن هشام ) : 2 / 191 - 192 فصل : ما رواه عطاء ومجاهد عن إسلام عمر .